القضية الكردية على جدول أعمال الحرب الإقليمية

أنا ممن يعتقدون أنه من دون تعاون إقليمي واسع يتجاوز الحدود القومية والسياسية، ويؤسس لفضاء تنمية اقتصادية، وأمن جماعي يطمئن الجميع ويشرك الجميع ويخدم مصالحهم، لن يكون للشرق الأوسط الذي يعيش أكبر أزمة ثقافية وسياسية واقتصادية في تاريخه، تختلط فيها ثورات الشعوب من أجل الحرية وفرض احترام الحقوق الإنسانية الأساسية بالمطالب القومية المحبطة منذ عقود والكوارث الاجتماعية النابعة من إخفاق سياسات التنمية الاقتصادية، إن لم نقل انهيارها وعودة الاحتلالات الأجنبية، أي مستقبل، وسوف يغرق أكثر فأكثر في الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، ويتحول، لا محالة، لمفرخة لكل أشكال التطرف، بل لتعميم أساليب العنف والإرهاب، كما لم يحصل في أي وقت، على جميع العلاقات الداخلية والخارجية.

(1)

وقد كتبت عن ضرورة الإسراع في فتح مفاوضات بين دول المشرق التي تضم الشعوب الأربعة الكبرى التي صاغت تاريخ المنطقة، بصراعاتها وتفاهماتها معا، العرب والكرد والأتراك والفرس، منذ أكثر من عقدين، وقلت إن بديل العمل من أجل إقامة منطقةٍ للأمن والتعاون بين هذه الشعوب هو ترك المجال مفتوحا لكل أنواع الصدام والصراع والنزاع، وتخليد الحروب الداخلية والإقليمية. فالحرب هي النتجية الحتمية للتناقضات المتفاقمة من دون أفق للحل، والمخرج الطبيعي للنخب الفاشلة من مواجهة المسؤولية ومحاولة تحميل عبء فشلها على الشعب، أو على الدول والشعوب المجاورة.
هذا ما حصل ويحصل عندنا الآن بالضبط، فأصبح تحقيق الأمن لهذه الدولة أو تلك يقوم على زعزعة أمن جارتها، وتحقيق الاستقرار في هذا البلد أو ذاك، أو زيادة موارده، وتعظيم مصالح نخبه الحاكمة، يتوقف على سحق أي روح نقد أو احتجاج أو معارضة، وفرض الصمت المطلق على جميع الطبقات والطوائف والأحزاب، وحرمان الشعوب من أي حياةٍ سياسيةٍ، بل حتى ثقافية. والمشرق اليوم منطقة حروب ونزاعات داخلية وخارجية لا تنتهي، أي لا حل لها، ولا أحد داخل المنطقة أو خارجها يجرؤ على التفكير بالطريقة التي يمكن له أن يساعدها على الخروج منها.

والأغلب أن الدول الكبيرة في الغرب والشرق وآسيا وأميركا الشمالية، بل حتى في أفريقيا التي تكاد لا تلعب أي دور في السياسة الدولية، تشعر أكثر فأكثر بأنها تعبت من مشكلات الشرق الأوسط، ولا تملك القدرة على تقديم ما يمكن أن يساعده على الخروج من أزمته، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله أن تسعى إلى الحفاظ على مصالحها بأي ثمن، حتى لو اضطرها ذلك إلى تقسيم البلدان وتفتيتها، وضرب ما يشبه الحصار الصحّي على شعوبه، واقتطاع مناطق خاصة بها، تسيطر عليها مباشرة عن طريق تصدير “الخبراء” والمستشارين وإرسال المليشيات، وبناء القواعد العسكرية حول آبار النفط والمضائق والمصالح الأخرى، وترك الشرق أوسطيين يذبحون بعضهم بعضا إلى قيام الساعة. وهذا أفضل وسيلةٍ لتجنب خطرهم، ومنعهم من نقل شرورهم وعنفهم ومشكلاتهم إلى بقية بقاع العالم الأخرى. وأول من يجول بذهنه هذا التفكير هو حكومات الدول الكبرى التي كانت المسؤولة الأولى عن الخراب السياسي والاقتصادي والثقافي والديني الذي يعم المنطقة، وعن تدمير التوازنات التاريخية الكبرى التي كانت تحفظ لها استقرارها وسلام مجتمعاتها وتعاونها.

لكن ضحالة الثقافة السياسية التي تميز نخب هذه المنطقة، وغطرسة القوة التي كانت تسكن أذهان (ونفوس) حكامها الصغار والفارغين مثل الطبول، أو أغلبيتهم الساحقة، قد دفعت هذه النخب إلى الاعتقاد بأنها عنترة، وحالت دون رؤية مخاطر الانخراط في صراعات مفتوحة ولغايات مستحيلة، مع الاعتقاد الراسخ عند أطرافها المختلفة بأنها ستكون الرابح الأول، أو المستفيد الرئيسي منها. وأول هذه الحكومات التي افتتحت حقبة الرهان على القوة، ولا شيء غير القوة والقهر، هي الحكومة الإسرائيلية التي صممت على حرمان الفلسطينيين من أي أمل في استعادة أي جزء من فلسطين، يضمن لسكانها الحد الأدنى من الشعور بالاستقلال والسيادة وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم، واستمرأت، تحت تأثير غطرسة القوة، الحرب المستمرة مع العرب بأكملهم، وجعلت من هزيمتهم وتمريغ حكوماتهم ونخبهم بالوحل عربونا لتفوقها الساحق على جميع دول الإقليم، ولتطمين شعبها على أمنه وازدهاره ومستقبله.

وهذا هو الزلزال الذي فتح الباب أمام الارتدادات المستمرة التي ستهز البلدان والمجتمعات العربية وتزعزعها، وتدفعها إلى الدخول في أزمة قيادةٍ لا حل لها، وتفجّر نزاعاتها الداخلية، قبل أن تصل إلى إيران ما بعد الثورة التي رأت في الزجّ بنفسها في أتون الحرب العربية الإسرائيلية أفضل وسيلة لتجنب تحديات تنميتها الداخلية، ومزاحمة الدول العربية على الهيمنة الإقليمية، ولتأمين مصادر الشرعية للحروب التي ستطلقها في العراق وسورية وغيرهما. وها هي حكومة حزب العدالة والتنمية التركية تواجه خطر الدخول في حربٍ مصيريةٍ لحماية الجغرافيا التركية من خطر الانفصال الكردي، بدءا من شمال سورية الذي تخشى أن يتحوّل، بدعمٍ غير مسبوق من الولايات المتحدة الأميركية، لحركة كردية استقلالية تشكل امتدادا للحركة الكردية الاستقلالية التركية، في وقتٍ لم تجد فيه بلدان الخليج العربي وسيلةً للتغطية على خسارتها الحرب في سورية، غير تفجير تناقضاتها الذاتية، وإشعال فتيل النزاع والحرب النفسية والإعلامية والسياسية فيما بينها.

والنتيجة أن جميع الدول والحكومات في هذه المنطقة تجد نفسها اليوم في طريقٍ مسدود، وأمام رهانات مصيرية ومخاطر لا أمل لها بمواجهتها أو بالحد من عواقبها المأساوية. وإذا استمرت الأحوال على ما هي عليه، ولم نجد الفرصة لمراجعة حساباتنا، ولا أقصد الحكومات وحدها، وإنما النخب السياسية والثقافية والاجتماعية عموما التي تملك مفاتيح النفوذ المتعدد المصادر، والتي تؤثر على الرأي العام، وتحدّد مسار الأحداث، وتبني خططا وأساليب أخرى للعمل داخل بلداننا، وفي محيطنا بين الدول والشعوب القريبة والمشاركة لنا في تحديد مصائر منطقتنا، فسوف نجد أنفسنا، بعد سنوات قليلة، في محرقة إقليمية لا سابق لها في تاريخ الدول، يزيد من استعار لهيب النيران المشتعلة فيها اختلاط القضايا والمسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقومية والأمنية والإنسانية، من دون أي قدرة على فصلها عن بعضها أو تفكيكها.

(2)

ما يدفعني إلى التذكير بمسألة العلاقات بين دول الإقليم وافتقارها لأي أسس وقواعد متفاوض عليها، وترك المنطقة نهبا للصراعات والنزاعات المتقاطعة والمتداخلة، حسب ما كانت تريده الدول الاستعمارية السابقة للاحتفاظ بنفوذها وهيمنتها. وبالتالي تفجر حروب التنافس والصراع على الهيمنة والنفوذ الإقليميين، كما نشهده اليوم، هو ما أثاره الاستفتاء الذي قرّرت حكومة كردستان العراق تنظيمه للانفصال عن العراق، وإقامة دولة مستقلة من تخبط وردود أفعال عنيفة في بلدان المنطقة ومحيطها، فهو يقدم نموذجا لنوعية الاختيارات العدائية التي وسمت علاقات حكومات الإقليم وشعوبه في ما بينها منذ عقود.

يكمن وراء هذا التوتر الشديد الذي أثاره قرار الاستفتاء الكردي مسألتان، جاء الجواب عليهما في الحالتين، في العراق وكثير من قطاعات الرأي العام العربي، وفي حضن الحركة الكردستانية، بطريقةٍ سلبيةٍ تعكس المخاوف والشكوك التي غذّتها سياسات الحكومات العربية والحركات السياسية، بما فيها الكردية في الماضي، وتعمل على إعادة إنتاجها. وفي جميع الحالات، وهذا هو المهم، دلت على أن كل الأطراف تنطلق من وجهة نظر مصالحها الخاصة، أو ما تعتبره مصالحها، من دون أن تأخذ بالاعتبار مصالح الأطراف الأخرى، بل مع محاولة الاستحواذ على جزء منها، أو حتى مع خطر تقويضها، بصرف النظر عن العواقب. والمحصلة بالطبع إشعال فتيل النزاع وفتح جبهة جديدة في الحرب الشاملة التي تلف الإقليم الشرق أوسطي منذ نشوئه.

هكذا افتتحت حكومة الإقليم معركتها بالإعلان عن شمول كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها بالاستفتاء، أي بفرض الأمر الواقع على مجموع العراقيين، وشرعنة ضمها مستقبلا، من دون أي مشاوراتٍ مع حكومة بغداد، أو سكان المناطق الملحقة بالاستفتاء، في وقتٍ ردّت فيه حكومة بغداد المركزية برفضها قرار الاستفتاء، ورفض البرلمان العراقي له من دون أي جواب واضح على اعتراضات حكومة الإقليم ومطالبها، أو اقتراحات مقابلة للخروج من الأزمة. وما من شك في أن ضم كركوك في الاستفتاء، من دون اتفاق مسبق مع بقية ممثلي الشعب العراقي والحكومة المركزية يشعل فتيل النزاع بين الطرفين، قبل أن يحصل الاستفتاء الذي ستكون نتيجته محسومةً لصالح الاستقلال.

وراء النزاع المتجدّد في العراق يتجلى انهيار المبدأ الذي قامت عليه العلاقات السياسية الداخلية والجيوسياسية داخل المنطقة، خلال العقود الطويلة الماضية، بل منذ تأسيسها على يد القوى الاستعمارية، والتي قوّضت استقرارها وتدفع بها اليوم إلى الانتحار، وهو مبدأ الإكراه. وعكسه مبدأ الحرية الذي يقوم على الاعتراف بحق الأفراد والجماعات والشعوب في الاختيار. وبالتالي الذي يقدم التفاهم على الإذعان، ويفترض الحوار والمفاوضات، وأبعد من ذلك الاعتراف بالآخر وبحقه في الدفاع عن مصالحه بالمثل. وتقدّم القضية الكردية التي طرحت نفسها بقوة على ضوء قرار الاستفتاء على الانفصال، تجسيدا مثاليا لهذا النظام/ السلام، القائم على الإكراه، وانهياره في الوقت نفسه. والطريقة التي ستعالج بها حكومات المنطقة هذه القضية سوف تحدّد أيضا مستقبلها القريب، أي مقدرتها على الخروج من أزمتها التاريخية، بتبني مبادئ جديدة تفتح باب التسويات والحلول الوسط واللقاءات على المصالح المتبادلة، أو الاستمرار في نظام الإكراه وسياسة فرض الأمر الواقع واستخدام القوة لحل النزاعات. وهذا يعني تبنّي خيار الحرب المستمرة، كما حصل في أوروبا في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، بدل خيار الحوار والتعاون والتفاوض الذي لا مهرب منه في سبيل إيجاد بيئة آمنة، صالحة للاستثمار والتنمية التي نحن أحوج ما نكون لها اليوم، لتأمين فرص العمل والحياة الكريمة لملايين الناس المحرومين من أي حق، والمرميين على قارعات الطرق، في عواصم دولنا ومدنها وأريافها.

(3)

بصرف النظر عن نوايا حكومة الإقليم والمناورات السياسية التي ينطوي عليها قرار الاستفتاء، والانقسامات القائمة في صف الكرد أنفسهم، يطرح نزوع الكرد إلى الاستقلال في العراق مسألتين وليس مسألة واحدة. الأولى خاصة بالعراق، تعبر عن التدهور الكبير لعلاقات الكرد مع الدولة المركزية التي شكلوا جزءا منها منذ إنشائها. وهي نفسها جزء من مشكلة النظام العراقي الذي قام بعد الغزو الأميركي في بداية هذا القرن. وليس هناك شك في المسؤولية الرئيسية في دفع الكرد إلى الانفصال. بالنسبة للمسألة الأولى، تقع على كاهل الحكم المركزي العراقي، فقد استسلمت حكومة العراق للضغوط الخارجية، وبشكل خاص الإيرانية، وللنزعات الطائفية، وأقامت إمارة شيعية تابعة لايران، ولصالح تعزيز هيمنة إيران وسطوتها الإقليميتين، بدل أن تبني دولة ديمقراطية تفتح آفاق العدالة والحرية والمساواة والتآخي بين جميع سكانها ومواطنيها، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم وقوميتهم وجنسهم. ولعلها خدعت نفسها، بتخفيض فهمها الديمقراطية إلى مجرد انتخابات. وبدل أن تطمئن جميع سكانها على حقوقهم، عمّقت الشروخ بينهم، وشرعنت للتمييز بحق أغلبيتهم، واستخدمت الشحن الطائفي والتحشيد المذهبي، للتغطية على فشلها في إقامة دولة حق لجميع مواطنيها. وبدل أن تقدم لهم فرصا أكبر في التقدّم، وتحسين شروط حياتهم الفردية والجماعية، أدخلتهم في حروب الامبرطورية الإيرانية التي وضعت نفسها في خدمتها، وجعلت منهم ضحايا بالمجان لهيمنة محتليها.

والمقصود أن المبرّر الوحيد للدولة، وخصوصا عندما تكون متعدّدة القوميات، هو ما تقدمه من فرص إضافية لتحسين شروط حياة مواطنيها وسعادتهم. والحال لم تقدم حكومة بغداد، منذ ولادتها على إثر الغزو الأميركي وتدمير الدولة الذي تبعه سوى الحروب الداخلية والخارجية والتلاعب بالمليشيات الطائفية والبؤس والفقر والفاقة والاقتتال. هذا النمط من الدولة الإمارة، لا يمكن أن يجمع القوميات ويؤلف بين الجماعات، لا في القانون ولا في الإدارة ولا في النظام، لأنه بدل أن يضمن حقوقهم، ويؤمن سعادتهم، يفاقم من مشكلاتهم، ويقتل آمالهم، ولا يمكن إلا أن يدفع الكرد والعرب إلى التحرّر منه، وتركه لحشوده ومليشياته الطائفية، فهو المسؤول أولا وأخيرا عن تمزّق العراق وانقساماته القومية والطائفية.

أما المسألة الثانية فهي المسألة القومية الكردية التي حاولت جميع الدول والشعوب التي يشكل الأكراد شركاء فيها تجاهلها، أو السكوت عنها، أو محوها إذا أمكن من الذاكرة السياسية، خلال العقود الطويلة الماضية، وهي تعني حق الكرد بوصفهم شعبا في تقرير مصيره، وإذا أراد ذلك، إقامة دولة كردية مستقلة، تعبر عن هويته، وتقود كفاحه من أجل الاندماج في التاريخ الحديث للبشرية، بوسائله وقيمه وقدراته الذاتية. وتضافر المسألتين اللتين تشكلان وجهين لقضية واحدة، هو ما يجعل من القضية الكردية قضيةً مركبة لا تقتصر على تفاصل سياسي داخل دولة واحدة، أي مجرد انفصال لجزء من الشعب الواحد، لتكوين دولة خاصة به، وإنما ترتبط بإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لمنطقة كاملة، فهي مسألة سياسية، ومسألة جيوسياسية، وعقدة حقيقية في طريق السعي إلى تخليص المنطقة من الأفخاخ والمطبات والمظالم ومصادر النزاع التي تحول دون استقرارها.

ردت حكومة بغداد، على المسألة الأولى، بالرفض واستدعاء الدول القريبة والبعيدة للتدخل والضغط على حكومة الإقليم، متذرعةً بمخالفة قرار الاستفتاء للدستور العراقي. وعلى المسألة الثانية، ردت الدول المعنية بالقضية الكردية، أي طهران وأنقرة والنظام الفاقد للشرعية في سورية، بالتهديد بالحرب. لم تقدم حكومة بغداد أي رد واضح على مصدر قلق الأكراد، ولا أي اقتراح بديل تمكن مناقشته. وهذا كان أيضا مضمون التهديدات التي أطلقتها الدول المهدّدة بإحياء الحركات الانفصالية الكردية فيها.

لا أحد يجهل أن استقلال الإقليم يطرح قضية حق تقرير المصير للكرد عموما. وقد حان الوقت كي تفكر الدول المعنية بالمسألة الكردية في تقديم اقتراحاتٍ بناءة، للمساهمة في حل القضية الكردية القومية بدل الاستمرار في استخدام سلاح القمع والإكراه. ولا يمكن للاستمرار في دفن الرأس في الرمال أن يقود إلى شيء آخر غير مزيد من الشحن العاطفي المتبادل والاحتقان والحقد والكراهية الحاضنة للنزاعات والحروب، وجعل المسألة الكردية الثغرة التي يمكن أن ينفذ منها كل المناهضين أو الخائفين من استقرار المنطقة وتعاونها ونهضتها. وإذا كان صعبا على الكرد في شروط وجودهم القومي الراهنة انتزاع الانفصال بالحرب، وهي مستمرة منذ عقود، من دون جدوى كبيرة، فإن من الصعب أيضا، بالمقدار نفسه، أن تقود الحرب إلى قتل إرادة الاستقلال بالحرب، وكبح ثورة الكرد المستمرة منذ عقود، وسيكون ثمن ذلك استمرار حالة التنازع، وانعدام الثقة والتفكّك وتقويض بناء المجتمعات ذاتها، وبالتالي تضحية الدول المعنية بمصير تنميتها، ومستقبل تقدمها في طريق المدنية، وتأمين شروط الحياة الكريمة والحرة والسلام لأبنائها جميعا.

وليس هناك حل في نظري من دون الاعتراف بحق الكرد في تقرير مصيرهم، وبالتالي من دون فتح مفاوضاتٍ لتطبيق هذا الحق، على مدى زمني، وفي شروطٍ تراعي مصالح الدول المعنية، وتحول دون تهديد مصالحها القومية الأساسية. ومن دون ذلك، سوف تتحول القضية الكردية، لا محالة، إلى بؤرة التهاب دائم يزعزع استقرار الجميع، ويهدّد أمن دول كثيرة واستقرارها، ويقف عقبة أمام تفاهمها وتعاونها، وبالتالي بناء مستقبلها الفردي والجماعي. ولا أعتقد أن هذا الحل يمكن أن يحصل، من دون المبادرة بفتح نقاش جدي بين دولها الرئيسية على مستقبل المنطقة ومصيرها، ومن دون التوصل إلى اتفاقٍ ناجز لإقامة فضاء للأمن الجماعي والتعاون الإقليمي المشترك، يضم الجميع، ولا شيء يمنع من ذلك سوى التردّد والخوف وغياب الشجاعة، واستمرار بعض الحكومات في المراهنة على النزاع للتغطية على مشكلاتها الداخلية، أو لمواجهة خصومها على حساب الشعوب والدول الأضعف منها. لكن مآل الاستمرار في هذا الخيار، كما ذكرت، الانهيار الشامل وخروج المنطقة من التاريخ الراهن، والعودة بشعوبها إلى عهود الإقطاع والقرون الوسطى والخراب المعمم والدمار.

لا يتعلق الأمر، إذن، بقضية خاصة تعني الكرد أنفسهم، كما لم تكن قضية فلسطين قضيةً تعني الفلسطينيين فحسب، لكنها تطرح مسألة عامة وكبيرة، لا تزال تعاني منهما معظم شعوب العالم الذي خسر ثورته الصناعية والسياسية أو فشل فيها، بشقيها الوطني والدولي، فهي تظهر أولا فشل المجتمعات العربية، وأكثر المجتمعات النامية في إقامة العلاقات داخل الدول والمجتمعات على أسس سليمة واضحة ومقبولة، أي إقامة النظم السياسية الشرعية والفاعلة، المستندة إلى احترام إرادة الشعوب وحقها في انتخاب ممثليها بحرية، وتقرير سياساتها بنفسها، بعيدا عن الضغوط والتهديدات والعقوبات. وهي تبرز ثانيا فشل دول المنطقة في إقامة العلاقات التي تربط بينها على قواعد ومعايير معروفة وثابتة، أهمها الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقها في الاستقلال، وفي الاتحاد والتعاون أيضا، واحترام سيادة الدول، واحترام القانون والمواثيق الدولية وتطبيق قانون العدالة وإزالة الظلم وتصفية بقايا الاستعمار والعلاقات المجحفة والتبعية والمساواة في التعامل بين الجميع.

في منطقةٍ من أكثر المناطق تدويلا في العالم، ليس هناك فاعل مستقل بمصالحه وقراره، ولا فعل يمكن أن يتحقق من دون أن تكون له آثار على محيطه، وربما هدّد بتغيير التوازنات، والدفع إلى ردود غير منظورة، إقليمية ودولية. وما حصل ويحصل في سورية منذ ست سنوات، وما تشهد عليه تعقيدات أزمة الانفصال الكردية يبين حدود الرهان على القوة وحدها، ومخاطر الاستمرار في المراهنة على تخليد مبدأ الإكراه. من دون إعادة النظر في المبادئ التي تنظم أو بالأحرى تقوض علاقتنا داخل الدول، وبينها في هذه المنطقة لن يكون أمامنا سوى الجحيم، أي الاستثمار في السلاح والاستقواء بالأجنبي، والإعداد للتضحية بالملاييين من المدنيين والعسكريين، من دون أمل بتحقيق أي كسب، وللجميع، باستثناء إدامة الحرب، وتأجيل السلام إلى ما لا نهاية.

وأنا أكتب هذه المقالة، لا أدري في ما إذا كان الإقليم سيتمسك بقراره أم لا. لكن مهما كان الحال، لن يستقر العراق، ولن تدخل المنطقة في عصر التنمية والتقدم الأخلاقي والقانوني والسياسي، ولن تنجح في اللحاق بركب عالم التقدم التقني والعلمي وتندمج في الحضارة، ولن تخرج من الهمجية التي تعيشها اليوم، داخل كل دولة وفي ما بين الدول، ما لم تعترف بحقوق مواطنيها التي لا تناقش في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة، وحقوق شعوبها في السيادة ودولها في الأمن والسلام والتعاون والاستقرار.

برهان غليون

شاهد أيضاً

هل من فرصة للإشراف الأممي على سورية؟

مع انسداد أفق المفاوضات السياسية، وتفاقم معاناة السوريين من ملفات إنسانية لم تعد معالجتها تحتمل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com