حرب ضد السوريين

لفّ حسن نصر الله ودار خمسة أعوام، محاولا تبرير جريرته التي لا ولن تمحى من صفحات تاريخه الطائفي، ولن يغفرها السوريون، مهما طال الزمن، غزو سورية، وممارسة قتل يومي ضد شعبها، امتثالا لتكليف “شرعي” أصدره مجرم لا صفة له غير مذهبيته وعدائه العرب، اسمه خامنئي، ولا غرض له غير إنقاذ مجرم آخر اسمه بشار الأسد، مذهبي وكاره للعرب. بدايةً، قال نصر الله إنه يغزو سورية “كي لا تُسبى زينب مرتين”. بعد ألف وأربعمائة عام ونيف، ظلت زينب خلالها آمنة مطمئنة في قلوب حُماتها من مسلمي سورية وعربها وأرواحهم، اكتشف أنها مهدّدة، وأن عليه غزو سورية لإنقاذها من سبي ثانٍ، سيقوم به حُماتها التاريخيون! وقد أطاعه قطيع طائفي يأتمر بأمر خامنئي. لذلك، لم يسأله أحد منهم: وهل يحمي عاقل ميتةً بقتل أحياء يقدّسونها؟ كان نصر الله يعلم أن من يتهمهم بسبيها لن يستطيعوا الصعود إلى دار الحق، وانتزاعها من الرفيق الأعلى، فاختطفها هو من المسلمين، ليستخدمها في إثارة هيجان طائفي وثني، يحوّل حزبه إلى وحوش ستستبدل أكذوبة السبي عقولها الآدمية بغريزة لطالما جرّمها الإسلام، هي قتل النفس التي حرّم الله قتلها. منذ سبيها على يدي نصر الله واستخدامها لتبرير غزو سورية، وخامنئي ونصر الله، الحريصين على ميتةٍ، يغسلان أيديهما بدماء السوريين، وينافسان البغدادي والجولاني على جعل القتل شعيرة إلهية، يكفران من يرفض ممارستها، كما يكفران ضحاياها أيضا. لقتل الآخر لأنه آخر، ولإعلاء مكانة أموات على الأحياء، لا بد لتحويل قطيع مذهبي إلى حثالاتٍ ما دون بشرية، تعبد أوثانا وتضعها في مقام الواحد الأحد، ترفض رحمانية الإسلام ونزعته الإنسانية، وتجعل القتل طقسا إلهيا مقدسا، يبلغ القاتل بواسطته درجةً من العرفان، يؤمن معها أنه بقتل ضحاياه الأبرياء لا يرتكب معصية، بل يرد الحسين إلى الحياة، ويحمي زينب من السبي، بالثأر لهما من المغاير مذهبيا، المجرم بالوراثة.

أخرج نصر الله زينب من لحدها، وأبلغ جماعته أن حمايتها تتطلب قتل السوريين من دون تمييز. وحين أيقن أن وحوشه فقدوا تماما إنسانيتهم وعقولهم، ودخلوا في الحالة التي تجعلهم مهيئين تماما لتنفيذ مخططات خامنئي، كشف أن الغزو لم يكن لحماية زينب، بل وقع امتثالا لتكليف شرعي صدر عن خامنئي، دام رصاصه الشريف.

بعد استعمال زينب لإيقاظ نزعات إجرامية، صار محرّر فلسطين واثقا من أن قطيعه سيصدّق أية أكاذيب أخرى، فأخرج من جرابه حكاية القرى الشيعية على الحدود اللبنانية/ السورية قرب القصير التي يجب إنقاذها، على الرغم من أن أحدا من جيرانها لم يرمها، ولو بوردة. عند دخول مرتزقته إليها، قوبلوا بتذمّر سكانها الذين يعيشون بسلام ووئام مع شركائهم في التهريب من سنّة قراهم والقرى المجاورة، ومسيحييها وعلوييها، لا يعكر صفوهم غير خوفهم من مهرّبين يسيطرون على حدود الشعب الواحد وجماركه في الدولتين الشقيقين، قدموا من “عرين الأسد” في القرداحة، وأسسوا شبكات تهريب وسرقة عابرة للقطر الممانع والمقاوم، بمعونة شركائهم في حزب “السيد”، قبل أن يتفرّغوا لقتل اختطاف مهرّبيها الأصليين، ويقسموا برأسي بشار الأسد وحسن نصر الله، أنه لا شيء يمنعهم من تحرير الجولان وفلسطين غير قلة الوقت، وانشغالهم بتوطيد عرى التعاون الأخوي مع إخوتهم في شبكات تهريب المخدرات وتجارة السلاح من قادة الحزب الفارسي الشقيق.

ما أن دخل القطيع إلى سورية، حتى قصد مدينة القصير، ليعمل سيف الخامنئي في رقاب سكّانها، ويقتل قرابة ألف منهم ويهجر ثمانين ألفا، ثم يجرف أحياء كاملة منها. بعد القصير، وما أثاره “انتصاره الإلهي” عليها من حماسة، أخرج نصرالله من جرابه أزعومة جديدة، سيكون ضحيتها ملايين السوريين، هي حتمية غزو العمق السوري للقضاء على “إرهابيين/ تكفيريين”، يوشكون الدخول إلى لبنان. عند هذا الحد من “التكليف الشرعي”، فجر “داعش” قنبلتين في الضاحية الجنوبية، فأعلن السيد أنه قرّر إنقاذ ضحيتها الرئيس بشار حافظ الأسد، المستهدف إمبرياليا وصهيونيا، كي يقلع عن المواء كهر صغير يختنق بهزائمه ودماء ضحاياه. من الآن، نسي خامنئي ونصر الله زينب وشيعة القصير، ونشرا قتلتهما على مجمل الأرض السورية، والمهمة: إبادة شعبها الإرهابي /التكفيري. عندئذ، انطلقت الحناجر بنشيد حزب المقاومة، بكلماته الوطنية الجميلة: رصاصة منك ورصاصة مني ما منترك بالأرض سني.

أسمعنا نصر الله أسطوانة “الإرهاب التكفيري” أربعة أعوام. وحين تحارَب مع جماعة هيئة تحرير الشام التي تفاخر العالمين بصفتها تنظيما إرهابيا/ تكفيريا، وبعد أن أعلن سماحته أنه أحرز “انتصارا إلهيا” عليها، بادر إلى عقد اتفاق رسمي معها حول مغادرتها لبنان، وقبل أن تصعد إلى الباصات الخضراء المكيفة، أخرج بعض معتقليها من سجون “الدولة” اللبنانية، فسافرت جحافلها الجرّارة الكرّارة التي بلغ عديدها رقما فلكيا، هو 120 مقاتلا بالتمام والكمال، سالمة غانمة إلى إدلب، بحراسة قواته الظافرة وفلول الجيش الأسدي التي لم ترمها ولو بحصاة، وهي تعبر أربعمائة كيلومتر من الأرض السورية يخضع معظمه لها. بعد انجلاء غبار “الانتصار”، تبين أنه كان لدى “الجماعة الإرهابية/ التكفيرية” أسرى وجثامين، وأن عدد من قتلوا وجرحوا على يد جيش جبهة النصرة العرمرم بلغ مائةً من أبطال حزب التحرير والعودة الذي لا يصد ولا يرد، وأن بعضهم أسر خلال المعركة التي سبقت سفر الإرهابيين/ التكفيريين السياحي الميمون.

لم يكتف نصر الله بهذه الفضيحة التي تكشف حجم ما اختلقه ليغطي جريمة غزو سورية وإنقاذ جلادها والبطش بشعبها، فقد اتفق مع مجرم دمشق على إخراج “داعش” من لبنان إلى منطقة سيطرة “دولتها” شرق دير الزور، القريبة من حدود العراق، متناسيا مزاعمه عن غزو سورية للقضاء عليها. أما بطل الحرب الآخر ضد الإرهاب، بشار حافظ الأسد، فتولى حماية قافلتها طوال رحلة شاركت فيها عشرات من باصاته المكيّفة، امتدت على أكثر من سبعمائة كيلومتر. وعندما شنّت طائرات التحالف غارة يتيمة عليها، عاد إرهابيوها للاحتماء داخل مناطق الأسد الذي ابتز العالم نيفاً وستة أعوام، وسوّغ قتل ملايين السوريين الأبرياء وجرحهم وتهجيرهم وتجويعهم وتعذيبهم، بحجة حربه ضد الإرهاب. وها هو نصر الله يتفاوض ويتفاهم معهم على رحلة سياحية آمنة من لبنان إلى حدود العراق، ومدّعي الحرب ضد شعب”ه”، بحجة أنه يحميهم من التحالف الذي أغار مرة واحدة عليهم، فواصلوا رحلتهم بطرقهم الخاصة وحراسة الأرض والسماء إلى البوكمال، حيث تقول نكتة سمجة وثقيلة الظل إنهم سيقاتلون الأسد والتحالف.

قلنا دوما إن نصرالله وبشار لا يحاربان الإرهابيين، وليس لهما من عدو أو هدف غير شعب سورية، لأنه ثار على نظامه الطائفي الإيراني التبعية. استهدف السيد ومسلحوه، وسفّاح طهران، المواطن السوري بالقتل والتهجير والاعتقال والتجويع والحصار، لأنه ثار على ظلم تابعهما. أليس هذا ما تقوله لنا الباصات المكيّفة التي بدل أن تنقل الإرهابيين إلى السجون والمشانق، كما توعدهم نصر الله وبشار مرات عديدة، حملتهم ، بعد “انتصار إلهي” آخر، وتحت حماية مشدّدة، إلى الداخل السوري، ليواصلوا جرائمهم ضد المواطن الذي لن ينسى، ما دام فيه عرق ينبض، هذه “المأثرة” لنصر الله ومرشده.

ميشيل كيلو

شاهد أيضاً

عصر ما بعد السياسة

في خلفية المقاربة الغربية للشأن السوري أن القضاء على «داعش» يقتصر على محاربته أمنياً في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com