في التمرين على فكرة الانفصال

يأخذ أصدقاء أكراد على جيرانهم العرب قلة النسبة التي أيدت استفتاء الإقليم، وهي ملاحظة قد تكون وجيهة في الميزان العددي. وقد يبدو بعض العرب من خارج دول التواجد الكردي أكثر حماساً لحقوق الأكراد، وهذه ملاحظة أخرى يجدر تمحيصها، من دون بخس المتحمسين مكانتهم الأخلاقية أو المعرفية، ومن دون إهمال الأهمية الموضوعية الخاصة بمن هم أكثر التصاقاً بالمسألة الكردية.

الملاحظة الثالثة، للمفارقة، التي ينبغي التوقف عندها ذلك التقدم في قبول الحق الكردي، مهما تم التقليل من نسبته، في الوقت الذي وقفت فيه الأنظمة الدولية والإقليمية بلا استثناء يُذكر ضد الاستفتاء. ولنا أن نسترجع في هذا السياق أزمنة ظهرت فيها القضية الكردية محمولة فقط على تقاطع مصالح أنظمة، من دون أن تنال اهتماماً وجدلاً شعبيين لائقين، ولنا أن نتخيل شبه انعدام لنسبة المتعاطفين حالياً لو أجري هذا الاستفتاء قبل عقدين على سبيل المثال.

أيضاً لا بأس في تفهّم تلك المواقف المختلطة أو المضطربة إزاء موضوع الانفصال، والتي صدرت من أناس يقرّون بالحقوق الكردية مع إبداء تحفظات على الانفصال، سواء لجهة المبدأ أو التوقيت. تحوّلٌ كبير من عيار قيام دولة جديدة كفيل بكشف هذا الوعي الشقي، الوعي الذي يتمزق «بإخلاص شديد أحياناً» بين منظومة فكرية وإرث وجداني، فتشدّه الأولى إلى المغامرة ويشدّه الثاني إلى ما ألِفَه واستقرّ عليه.

في ما يخص العراق تحديداً شهدنا شيئاً مشابهاً من قبل، فكثرٌ ممن كانوا على عداء مع نظام صدام آلمهم مشهد دخول الدبابات الأميركية بغداد، بل كان بين المتألمين من لا يرى خلاصاً من نظام صدام إلا بتدخل خارجي!

يجوز لنا أن نضيف إلى ذلك الوعي الشقي إرثاً ثقافياً متشابهاً ساد من قبل في دول الوجود الكردي، فالتيارات القومية أو الإسلامية العربية والتركية والفارسية تنهل من النبع الإمبراطوري القديم ذاته، وتغذّي ذلك الجرح النرجسي بنقصان دولة الواقع لا بالقناعة فيها. في هذا المخيال، ثمة دولة سابقة على الجماعة (أو الجماعات) المعاصرة، والواقع بإمكاناته المحدودة أضعف من مساندة ذلك المخيال. يزيد في تلك الفجوة ممارسات القوميين عندما تسلموا السلطة، فكانت سلطتهم نزولاً إلى مستويات طائفية، أو إلى مستويات مبتذلة من تضافر الفئوية والفساد والطغيان.

وإذا كان العقد الأخير عقد تصالح بعض «النخب» مع الدولة «الوطنية»، فهو لم يأتِ فقط بعد فوات الأوان، بل أتى غالباً للتصالح مع الواقع بصرف النظر عن الاقتناع به. أي أن الدولة (الموجودة هذه المرة لا تلك الغابرة) بقيت هي المرجعية، أو رُفِعت أحياناً إلى مرتبة المقدّس الذي لا يجوز المساس به، واعتُبر سكانها مجتمعاً لأنهم وجِدوا على هذه الجغرافية السياسية الواحدة، وهي ذاتها التي كانت نسبة من «المجتمع» ذاته قد رفضت التوقف عندها منذ حين.

إلا أن المرجعية الإمبراطورية للفكرين القومي والديني لا تكفي لتفسير حال مجتمعاتنا. لبنان مثلاً كان قد نجا إلى حد كبير من تحكم الأيديولوجيتين، ولم ينجُ من محاولات الغلبة بين مكوناته، وهي محاولات فاقت وعرقلت أي مشروع وطني جامع. الاحتكام المتواتر إلى العنف دلّلَ دائماً على اختلال في توازنات القوى، إما نتيجة تضخم الإحساس بالمظلومية، أو نتيجة الثقة بفائض القوة المتحصل. ما كان منبوذاً في النموذج اللبناني السيئ الصيت تكشّف عنه العديد من المجتمعات التي كانت مقفلة بحكم الطغيان، وهو انكشاف سبق بأشواط طويلة عُدَداً فكرية سائدة تفترض بديهية تحقق الاجتماع ضمن الدولة أو ما يتعداها.

ليس سهلاً والحال هذه تقبّل فكرة الانفصال ، أو التفكير فيها على أنها ملازمة لفكرة أو واقع الاجتماع البشري. هذا لا يتطلب فحسب عدم تقديس الخرائط القديمة أو الجديدة، بل يتطلب أساساً أولوية فكرة التعاقد الاجتماعي على الدولة. والأخيرة كما هو معلوم تقلّصَ دورها القسري في المجتمعات الديموقراطية لتكون مطابقة للتعاقد الاجتماعي، حتى إذا كانت سابقة عليه. وفي المثال الأوروبي الذي يبدو أكثر قرباً لنا، سُحب من رصيد الدولة التقليدي من تحت ومن فوق، من تحت عبر التوسع المستمر في اللامركزية، ومن فوق بهيئات الاتحاد الأوروبي وحدوده المفتوحة. المثال الأوروبي تحديداً تتضح قراءته الخاطئة من قبل القائلين بأننا نذهب إلى التشرذم، بينما يسعى الأقوياء إلى الاتحاد، لأنهم بغالبيتهم يتوهمون وجود القوة في الدولة بالمعنى التقليدي، ولا يخرج عن هذا الإطار يساريون أرثوذكس أو شعبويون يرون في الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي محض تمثيل لكارتلات اقتصادية عابرة للحدود.

الجدل حول انفصال إقليم كردستان تتعمق فائدته إذا تجاوز ما يظهر انقساماً قومياً إلى التفكير في انفصالات أعنف، على رغم أنها لا تظهر ميولاً استقلالية، أو بالأحرى تعوّض عنها بالميل إلى الهيمنة. فلا يبقى حينها مفهوم الانفصال أيديولوجياً فحسب، وإنما يوضع أيضاً في مكانه الملائم إلى جانب مفهوم السلطة، ويظهر الانفصال تعويضاً عن سلطة مُفتَقدة، سلطة يُنظَر إليها كحق، ولا يندر أن يتعاظم الإحساس بالحق طالما كان ممنوعاً. كلما كانت السلطة القائمة فئوية واحتكارية ستتعزز ميول الانتقام منها وما تمثله، أو ميول الانفصال عنها.

الاعتراف بهذا الحق في الانفصال لا يقود تلقائياً إلى التشظي، لأن ما يردع الأخير (تلقائياً أيضاً) رزمة من المصالح التي يحققها الاجتماع السياسي، إذا أتيحت في الأخير حدود مقبولة من التكافؤ. هنا، في مجال الاجتماعي السياسي، نقلة يجدر الانتباه إليها. المقصود لم يعد ذلك المفهوم الكلاسيكي لحق الجميع في الصراع السلمي على قمة السلطة، وإنما حق الجميع في استحواذ مستدام على مقدار من السلطة يكفل ذاتياً الحرية للجماعات والأفراد.

من المؤسف أن الحصار الذي بدأ على إقليم كردستان بعد الاستفتاء، والتلويح باستخدام القوة وإشعال صراع جديد في المنطقة، سيساهمان في استقطابات سياسية غرائزية تحجب التفكير في ما يعنيه استقلال الإقليم، وتبعات ذلك ليس على المسألة الكردية وحدها في الدول المجاورة، وإنما على تفكير مستحق في ما تعنيه هذه الدول وآفاقها. لن يبقى الوعي شقياً بوجدانه فقط، بل أيضاً بالأنظمة المستحكمة التي تشده من أذنيه.

عمر قدرو

شاهد أيضاً

قوات سوريا الديموقراطية تتقدم على حساب ” داعش ” و تقترب من سد تشرين

قال معارضون والمرصد السوري لحقوق الإنسان إن تحالفا لجماعات معارضة من عرب وأكراد سوريا تدعمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com