معايير تمثيل المعارضة

حتى هذه اللحظة ، تخضع  عمليات تشكيل أجساد تمثيلية وقيادية للمعارضة وللشعب لذات معايير تدافع وتخاطف الناس على كوات الجمعيات الاستهلاكية عندما يتوفر السمن والرز ، بينما يختار مندوبوا الدول (المحظوظين فقط ) ليدخلوا من الأبواب الخلفية ، وهذا مرشح للاستمرار بالنظر لرغبة الدول في الوصاية ، وبالنظر لعجز الشعب السوري عن بناء توافقاته الوطنية ، ومؤسساته التمثيلية .

لقد كنا وما نزال نطالب باستخدام معايير لاختيار جسد تمثيلي للمعارضة ، وكثيرون بما فيهم دول يسألون اليوم  كيف يمكن تجنب الفشل الذي ضرب أطنابه في صفوف المعارضة المعتمدة من قبلهم ، وكيف يمكن تمثيل وتوحيد المعارضة لتكون شريكا فاعلا في الحل السياسي الموعود . لذلك نحن هنا سنعيد التذكير باختصار بمجموعة من المبادئ تعمل معا .

أولا من ناحية الشكل :

هناك فارق بين تمثيل المعارضة وبين تمثيل الشعب فالمجلس الوطني ادعى تمثيل الشعب السوري ، في حين أن الائتلاف ادعى تمثيل قوى الثورة ، أما هيئة الرياض فلم تخضع لأي معايير ، وهذا ما جعلها عرضة دوما للتدخلات والتداخلات من هذه المنصة أو تلك ، ومن الدول النافذة …

التمثيل الحقيقي الشرعي لا يكون إلا بانتخابات حرة في مناخ من الأمن والحرية ، وبسبب تعذر ذلك يتم اللجوء للاختيار بالتوافق ، مجالس لا يحق لها اقرار دساتير ، وهنا من يقوم بالاختيار إما أن يضع لنفسه معايير ويلتزم بها ، أو يختار تبعا لمصالحه ونزواته (جهة كان أم دولة أم جهاز مخابرات دولي … وهذا الخطأ حصل في تشكيل المجلس الوطني والائتلاف وهيئة الرياض وأدى لفشلهم )

إذا كان المقصود هو تمثيل المعارضة فيجب أن يقتصر الاختيار على المعارضين فقط  ولا تضم الأطراف الرمادية ولا منصات الدول الحليفة للنظام ، ولا الهيئات التي تعمل بالتنسيق معه . وعليه لا يجوز ضم منصات موسكو وحميميم ولا هيئة التنسيق ولا الب ي د ، ولا معارضة الداخل لأنها غير موجودة أصلا ، والنظام لا يتسامح مع أي نشاط خارج عن أوامر مخابراته .

تعريف المعارض هو الشخص الذي وقف سياسيا ضد النظام وانتقده وامتنع عن شراكته والعمل في مؤسساته لأسباب فكرية وأيديولوجية معلنة ، وتعرض للاضطهاد من قبل النظام ، خاصة قبل الثورة ، والأهم  الذين استمروا بعدها وشاركوا في نشاطات الثورة وهؤلاء في الدرجة الأولى ،

لا يعتد بمعارضة المنظمات التي اختلفت مع النظام على لون الأيديولوجيا ، كالحزب الشيوعي ،  والقومي الناصري ، وحزب الاخوان ، حتى لو امتطوا جسد الثورة بعد اشتعالها ، لأنهم يتبنون ذات مبادئ نظام الحكم الاستبدادي القائم على الحزب الواحد والشمولية كحزب البعث سواء بسواء … المعارضة الحقيقية المقصودة هي المعارضة الديموقراطية التي عارضت الحكم الشمولي الأحادي القمعي الذي ولد الفساد وعممه ثم القمع ، وبعد ذلك أصبح مستعدا لشن الحرب على شعبه وارتكاب كل أنواع الجرائم بحقه ، فكل من لا يؤمن بالعملية الديمقراطية مستبعد كليا من التمثيل كونه لا يؤمن به . أي كل الأيديولوجيات الشمولية والأحادية : القومية واليسارية والدينية .

المنشقون عن النظام يأتون في الدرجة الثالثة لكونهم ساهموا سابقا في النظام وفي تأسيس الأرضية التي أتاحت لهذا النظام ارتكاب الجرائم التي دفعتهم مشاهدتها للانشقاق ، فالاعتراض على النتيجة لا يعني اكتشاف الخلل في السبب ، وبالتالي قد يكررون ذات الخطأ ويعيدون انتاج النظام السابق بألوان وشخوص مختلفة ، فمعارضتهم منقوصة الفكر والوضوح ، حتى لو كانت بدوافع أخلاقية .

في الدرجة الثانية يأتي من شاركوا في الثورة فهم مارسوا العمل المعارض بالفعل وإن كان أغلبهم تنقصه الخبرة المعرفية والوضوح النظري المسبق ، ويركز معارضته على شخص أو أشخاص ، فهم عموما لا ينظرون للظروف التي أوصلت هؤلاء للسلطة ، ولا تلك التي سمحت لسلطتهم بفعل ما فعلت بحق الوطن … لذلك يصرون على رحيل الأسد ويتغاضون عن بقاء الاستبداد حتى بثوب معارض وقميص جديد (غالبا اسلامي ).

كل المؤسسات التنفيذية الإغاثية والإدارية وكذلك العسكرية لا تشارك في التمثيل السياسي ، لكونها أدوات تنفيذ السياسة وليس صناعتها ، ( السياسة كعملية إدارة بالأهداف لها أدواتها التنفيذية ) ، ولا يجوز وضع الأداة قبل مستخدمها أو في مكانه ، فكل الفصائل العسكرية التي حملت السلاح تخضع للسياسيين وتنفذ برامجهم وتلتزم بها ، واشراكها في المؤسسات التشريعية والتمثيلية يخلق شمولية واستبداد جديد ، ويطيح بمبدأ فصل السلطات ، حتى لو اصطنع هذا الفصيل جناح سياسي ، فالأصل أن يكون الجيش وطني وليس حزبي ميليشيوي . وهذا الخطأ ارتكبته هيئة الرياض في تأسيسها عندما ضمت الفصائل ، وصححته الأستانة التي اقتصرت على العسكريين وحصرت دورهم في تنفيذ الاتفاقات العسكرية فقط ، لكن بعيب كبير قاتل هو عدم وجود رأس وفكر سياسي يديرهم ، مما جعلهم يتورطون في اتفاقات مشينة سياسيا وخاسرة استراتيجيا أدت عمليا لتفكك هذه الفصائل ذاتها وتناحرها واضمحلال دورها ووقف القتال مع النظام عمليا وبشكل دائم .

ثانيا- من ناحية المضمون :

التمثيل الجغرافي هو المعيار الأول بحيث يراعى حصص المحافظات بنسب سكانها ( وهنا بنسب مشاركتها في الثورة معا )

التمثيل السياسي هو المعيار الثاني ،  بحيث يراعى تمثيل القوى والتيارات السياسية والآيديولوجية بحسب نسبة تواجدها ، ولأنها ما تزال ضعيفة  وفاقدة للتنظيم ، لذلك يراعى بدلا عنها التلون الأيديولوجي ، لكن المؤمن بالديموقراطية فقط ، لكون الثورة افتراضا  ثورة حرية ضد الاستبداد … والتيارات السياسية المقصودة : يمين ويسار ووسط ، علماني واسلامي ، اجتماعي وليبرالي .

المحاصصة الأهلية بين المكونات العرقية والدينية والطائفية معيار مقترح ، وهي هنا غير ضرورية بسبب وقوف معظم الأقليات مع النظام … أي يُكتفى برموز من هذه الطوائف للتذكير بتكوين الشعب السوري التعددي . وكل مطالبة بمحاصصة عددية تشترط إما مشاركة كاملة بالثورة ، أو فعليها أن تنتظر تشكل مجلس نيابي وطني منتخب يقبل باعتماد أسلوب المحاصصة الأهلية ، ولا يصح حاليا أن تعتمد في الجسد التمثيلي للمعارضة. أي أن ضم الكرد للائتلاف بهذه النسبة والمحاصصة لم يكن منطقيا بالنظر لأنه ائتلاف قوى ثورة وليس مجلس مكونات وطنية ، وبالنظر أيضا لغياب المجلس الوطني الكردي عن ساحة الفعل السياسي ، وتركه الساحة الكردية لقوات الب ي د التي تعترض على هوية الدولة وتريد تغييرها ، بغض النظر السلطة ونظام الحكم ، فهي استغلت الثورة ضد نظام الحكم لحمل السلاح والتمرد على الدولة ذاتها في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام .

تمثيل القطاعات الاقتصادية المختلفة ( عمال فلاحين مثقفين ، موظفين ) لا قيمة له أيضا ، فهذه الانقسامات (ما قبل حزبية وقبل سياسية ) … أما تمثيل المفكرين والأدباء والفنانين ورجال الدين ورجال الأعمال فهو أيضا يميع الوضوح السياسي ويشوه قرارات المجلس ويقحم عناصر غير سياسية في السياسة ويحول الجسد التمثيلي لمجلس وجاهات .

… نعود لنوجز :

تتمثل المعارضة ( في حال عدم توفر فرصة لاجراء انتخابات ) باختيار جمعية تتكون من رموز وطنية سياسية عارضت النظام قبل الثورة وشاركت في الثورة ، بحيث يراعى تنوع ميولها السياسية ، وكذلك التوزع الجغرافي ونسب مشاركة المحافظات بالثورة بحصة  50% ، وتطعم برموز ثورية شاركت بالثورة بفعالية بحصة  20% ، ومن المنشقين عن النظام 10% وممثلين رمزيين للطوائف والقوميات المختلفة وبقية فئات المجتمع  خاصة المرأة  ، إذا أمكن من ضمن هؤلاء المعارضين ، أو من خارجهم بحيث لا يتجاوز عددهم جميعا الثلث 30 %. ويشكل مجلس عسكري تابع يعمل بنظام خاص ، وكذلك حكومة تنفيذية وإدارية تأخذ ثقتها ، وتختار الجمعية وفدها للتفاوض وتحاسبه وتضع خططها التفاوضية … (وهذا ما اقترحناه يوم عملنا على تأسيس الائتلاف ، لكن مخابرات الدول تلاعبت وشوهت هذه المعايير وتسببت بفشل التمثيل الذي أفضى لغياب القيادة ، مما أدى لذبح الثورة وتشوهها وخسارتها العسكرية .)

( حلب وريفها  8 واحد منهم كردي وواحد مسيحي  / مدينة دمشق 2/ ريف دمشق 6 واحد منهم مسيحي/ ادلب 5 / حمص 5 واحد منهم تركماني /  درعا 4/ دير الزور 4/

الرقة 3 واحد منهم كردي / حماه 3 واحد منهم اسماعيلي / القنيطرة  2/ اللاذقية 2 واحد منهم تركماني والآخر علوي / الحسكة 2 واحد منهم آشوري /القامشلي  2أكراد /  السويداء 1 درزي / طرطوس 1 علوي )

مجلس لا يتجاوز ال 50 شخص كافي لتمثيل المعارضة وتوحيد قرارها ، الذي يجب أن يبقى بالتشارك مع الشعب بشفافية كاملة ، على أن يخضع الخمسون شخصية لنظام الذمة المالية المفتوحة المعلنة المراقبة ، ولا يحصلوا على أي تمويل خاص من أي دولة أو شخص تحت طائل السجن ، ويمول المجلس أو الجمعية حصرا من وزارة المالية التابعة للحكومة التنفيذية المؤقتة ، ويحق لكل عضو الاستعانة بأربع مساعدين مأجورين من نشطاء ذات محافظته .

بعد وضع هذه المعايير يبقى موضوع اللجنة التي ستكلف بتطبيقها واختيار الأسماء ، وهنا نقترح هيئة محلفين من عدة شخصيات وطنية حقوقية معارضة أو منشقة ممن يتطوعون لهذا العمل ويعلنوا عن رغبتهم تلك علنا ويختار منهم ( 11 شخصية ) بحسب تسلسل العمر والمركز الحقوقي أو بالتصويت الإلكتروني، ويؤدون القسم المشهود ، ويتعهدون بمراعاة هذه المبادئ ، و يمنع عليهم تسمية أنفسهم أو أقاربهم …

يتقدم كل من يرشح نفسه بطلب لهذه اللجنة مرفق ب سيرة ذاتية ، وجدول بأملاكه وحساباته ، وتجتمع اللجنة في مكان معزول ويمنع التواصل مع أعضائها حتى يعلنوا عن قرارهم ، ويخضعون أيضا لمراقبة ذممهم المالية مدة خمس أعوام .

موضوع تمثيل المعارضة مختلف عن الدعوة لعقد مؤتمر وطني موسع ( الثاني أفضل) لأنه يتجاوز موضوع النظام والمعارضة كليا ، وينتقل مباشرة لبناء مستقبل سوريا طالما أن كل شيء سيكون بوصاية دولية ، مشكلتهم أنهم لا يريدون الاعتراف بها ، وطالما هم كذلك فعبثا يحاولون خلق كيان سياسي سوري مسؤول وقادر على الفعل ، هم يختارون دمى ليتلاعبوا بها ولا يهتمون فعلا بمشاركة الشعب ، ولو شاؤوا لاعتمدوا المعايير  التي ذكرناهم بها قطعا للأعذار  .

ومن الطرف الآخر نكتشف أن الثورة على النظام تفتقر فعلا لوجود تنظيمات معارضة ، وحتى معارضين وفكر معارض واضح بسبب قتل الحياة السياسية 50 عام  ، فكانت الثورة ثورة تحطيم فوضوي انتهت بتآكل ذاتي ، لأن ما يوحدها ليس رؤية المستقبل بل الرغبة في تحطيم الحاضر . فانتهت بتحطيم بعضها البعض ، وبقيت البلاد مدمرة محكومة بالميليشيات والجيوش الأجنبية ورحل الشعب وغاب سياسيا ولا يزال .

شاهد أيضاً

من الصحافة التركية: كواليس الاتفاق الأمريكي الروسي بشأن جنوب سوريا

تواصلت المباحثات السرية على مستوى منخفض منذ أبريل الماضي حتى اليوم بين واشنطن وموسكو من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com