هدفان للإخوان و ديمستورا

لقد نالت تصريحات ديمستورا حول هزيمة المعارضة، الأربعاء الماضي، ما نالته من ردود أفعال وصلت في ذروتها إلى المطالبة بتنحيته. غير أن المشكلة في ردود الأفعال تلك عدم تصديها للهدف الذي سجله ديمستورا في مرمى المعارضة عبر إعلان هزيمتها، فإذا كانت المعارضة تمثّل حقاً الفصائل العسكرية فتلك الفصائل قد هُزمت، وقادتها يطوّعون هزيمتهم في أستانا بموجب مفاوضات الرعاة الإقليميين. إلا إذا اعتبرنا مناطق خفض التصعيد، واستمرار تحكم هذه الفصائل بها، نوعاً من الانتصار لأولئك الذين يُفترض أن يكون هدفهم إسقاط تنظيم الأسد. تجنيب المدنيين القتل والدمار ذريعة أخلاقية جيدة للقبول بمناطق خفض التصعيد، مع ملاحظة أنها لم تحضر في مناسبات سابقة عندما لم يكن هناك اتفاق دولي وإقليمي على التهدئة، وبالطبع مع ملاحظة أنها تحدّ من شهوة تنظيم الأسد للإبادة.

يبدو أن المعارضة تحسست من استخدام كلمة الهزيمة، فبادر رئيس الهيئة العليا للمفاوضات إلى الرد بأن من هُزم هو مَن بات خاضعاً لإملاءات ملالي طهران، ومَن فقد الشرعية والسيادة والقرار الوطني “أي بشار الأسد”. مضيفاً أن من هُزم هي الوساطة الأممية. كبير مفاوضي الهيئة تحاشى الرد على منطق الهزيمة، فأشار إلى أن تصريحات ديمستورا تهدف إلى التغطية على تقرير للأمم المتحدة كان قد صدر محملاً تنظيم الأسد مسؤولية الهجوم الكيماوي في مجزرة خان شيخون وما يزيد عن عشرين هجوماً آخر. أيضاً مع ملاحظة أن صدور التقرير الأممي لم ينل الضجة الإعلامية التي نالتها تصريحات الوسيط الدولي، والبناء على التقرير ينبغي أن يكون مسؤولية المعارضة في حال وجود نوايا خبيثة للتغطية عليه.

قبل أسبوع من تصريحات ديمستورا كان “المجلس الإسلامي السوري” و”الحكومة المؤقتة” التابعة للائتلاف قد اشتركا في الدعوة إلى تشكيل جيش موحد للثورة، ومن سخرية الأقدار مجيء هذه الدعوة في الوقت الذي تتم فيه تصفية الخيار العسكري نهائياً، ومن دون أن توحي الدعوة بتغيير جذري في الاستراتيجية العسكرية التي اعتُمدت خلال السنوات الست الماضية. ما يجري تداوله على نطاق واسع أن المجلس الإسلامي السوري مقرّب من جماعة الإخوان المسلمين أو بمثابة واجهة لها، والجماعة كما هو معلوم منضوية في المجلس الوطني السوري وفي الائتلاف وحكومته تالياً، ما يعني عودة الجماعة إلى الواجهة بقوة ربطاً بالمتغيرات الميدانية والسياسية.

لكن الهدف الذي سجلته الجماعة في مرمى المعارضة أتى ببيانها الصادر بتاريخ 9 أيلول الحالي، والمعنون بـ”على ضوء المستجدات.. تأكيدات.. والتزامات”. البيان يؤكد نصاً على أن مشروع الجماعة الوطني في سوريا “إنما يدور على بناء سوريا الحديثة دولةً مدنية بمرجعية إسلامية، وأدوات ديموقراطية تعددية وتشاركية”. البيان كما هو واضح لا يقول “مشروع الجماعة الوطني السوري” وإنما مشروعها الوطني “في سوريا”، ومدلول ذلك لا يغيب عن واضعيه. أما الأهم فهو النص على المرجعية الإسلامية للدولة السورية العتيدة، والتأكيد على أنها من ثوابت الجماعة بعد كل ما اقترفته تنظيمات إسلامية في حق سوريين مسلمين أو غير مسلمين، بصرف النظر عما تنسبه الجماعة لنفسها من تأويل معتدل بالمقارنة مع تلك التنظيمات، إذ من المعلوم أن واحداً من أسباب تعدد التنظيمات الإسلامية ما ينسبه كل طرف منها لنفسه باعتباره صاحب الفهم الأصح للإسلام.

في هذا التوقيت، وبينما تتعرض المعارضة لما يشبه الإذلال بغية إخضاعها التام، وبينما هي مطالبة بالإقرار بالهزيمة وبقبول الذهاب بوفد موحد مع منصة تمثل الموقف الروسي بحذافيره، يأتي بيان الجماعة ليزيد الخناق عليها بوضع سقف إسلامي للتغيير الديموقراطي. وأهمية البيان لا تأتي من إصداره فحسب، وإنما من كون الجماعة موجودة بقوة في هيئات معارضة أساسية، أي أن الجماعة قادرة على إفشال عمل تلك الهيئات وإضعافها فوق ضعفها ما لم تراعِ متطلباتها. فوق ذلك لا تراعي الجماعة شركاءها في المعارضة، مع أن الأخيرة متهمة بـ”الأخونة” بسبب الشراكة معها، ولا يغيب عن واضعي البيان ذلك المزاج الدولي والإقليمي الرافض للتغيير بذريعة غلبة القوى الإسلامية على التحركات المطالبة به.

بالعودة إلى تصريحات ديمستورا، ومن ناحية تقنية، يمكن التأكيد على صحتها إذا كانت المعارضة في قسم منها تنطق باسم فصائل مهزومة وإسلام سياسي مهزوم أيضاً. مواجهة هذه التصريحات بإنكار الهزيمة، أو رميها على تنظيم الأسد الذي خسر السيادة والشرعية، يبقيان في الإطار التقني ذاته الذي لا يخدم المعارضة، ولا يخدم السوريين الذين يُفترض بالمعارضة أن تمثلهم. فحقوق السوريين وفق شرائع الأمم المتحدة ليست رهناً بالفوز بالحرب، إنما هي حقوق أساسية “فردية وجماعية” لا يحق لأحد التفريط بها، وبالمثل لا يحق لأحد التنازل في موضوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

لن تستطيع المعارضة خوض المعركة، من أرضية حقوقية وأخلاقية، طالما كانت تحت ضغط التحالف مع جهتين؛ إسلام سياسي يرى شرعة حقوق الإنسان بانتقائية ويصر على المرجعية الإسلامية، ما يعني سلفاً مصادرة الحق الديموقراطي للسوريين أو لبعضهم، وفصائل عسكرية بعضها متهم بارتكاب جرائم حرب، الأمر الذي سيتُخذ ذريعة لمساواتها بالنظام وتبرئته. حتى تقرير الأمم المتحدة عن استخدام السلاح الكيماوي ترك ثغرة لهجمات لم يتهم النظام بها، وذلك يتطلب من المعارضة تجريم كل من استخدمه بلا تمييز، وأيضاً عدم الانتقائية في التعاطي مع كافة الانتهاكات المرتكبة خلال السنوات الماضية على أساس مرتكبيها.

في كل الأحوال لن تكون المعركة سهلة أو قصيرة أو مضمونة النتائج، لكن ما لم تسترجع المعارضة بشكل قاطع تفوقها الأخلاقي لن تحظى بالمصداقية الكافية داخلياً أو خارجياً. عطفاً على ذلك لا بأس في الاعتراف بالهزيمة، لا الهزيمة الميدانية التي تحدث عنها ديمستورا، وإنما الهزيمة التي تسببت بها فصائل بممارساتها تجاه الأهالي الصامدين في بيوتهم، وبعدم تقديم نموذج بديل جيد من قبلها أو من قبل الهيئات السياسية، وأيضاً الهزيمة التي يحاول اليوم الإخوان التنصل منها برميها فقط على من هم أكثر تشدداً منهم، وربما بتشكيل جيش موحد لم تبقَ له عملياً سوى مهمة محاربة إسلاميين آخرين.

عمر قدرو

شاهد أيضاً

في (خسارة) المعارضة وعجز النظام وفشل دي ميستورا

صدق المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في توصيفه للوضع الحالي في سورية. سأل المعارضة «هل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com